أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
295
العقد الفريد
كيف يرجون سقاطي بعد ما * شمل الرأس مشيب وصلع كتب الوليد إلى الحجاج . أن صف لي سيرتك ، فكتب إليه : إني أيقظت رأيي ، وأنمت هواي ، فأدنيت السيد المطاع في قومه ، ووليت الحرب الحازم في أمره ، وقلدت الخراج الموفّر لأمانته ، وصرفت السيف إلى النّطف « 1 » المسئ ، والثواب إلى المحسن البريء ؛ فخاف المريب صولة العقاب ، وتمسك المحسن بحظه من الثواب . الحجاج وقارئ قرأ الحجاج في سورة هود : قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ « 2 » ؛ فلم يدر كيف يقرأ : عمل بالضم والتنوين ، أو عمل بالفتح ؛ فبعث حرسيّا فقال : ائتني بقارئ . فأتى به وقد ارتفع الحجاج عن مجلسه ، فحبسه ونسيه حتى عرض الحجاج حبسه بعد ستة أشهر ؛ فلما انتهى إليه قال له : فيم حبست ؟ قال : في ابن نوح ، أصلح اللّه الأمير ! فأمر بإطلاقه . عبد الملك والحجاج وأنس : إبراهيم بن مرزوق قال : حدّثني سعيد بن جويرية قال : خرجت خارجة على الحجاج بن يوسف ، فأرسل إلى أنس بن مالك يخرج معه ، فأبى ، فكتب إليه يشتمه ، فكتب أنس بن مالك إلى عبد الملك بن مروان يشكوه وأدرج كتاب الحجاج في جوف كتابه . قال إسماعيل بن عبد اللّه بن أبي المهاجر : بعث إليّ عبد الملك بن مروان في ساعة لم يكن يبعث إليّ في مثلها ، فدخلت عليه وهو أشدّ ما كان حنقا وغيظا ، فقال : يا إسماعيل : ما أشدّ عليّ أن تقول الرعية : ضعف أمير المؤمنين ، وضاق ذرعه في رجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ! لا يقبل له حسنة ، ولا يتجاوز له عن سيئة ، فقلت : وما ذاك يا أمير المؤمنين قال أنس بن مالك : خادم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، كتب إليّ يذكر أنّ
--> ( 1 ) النطف : الرجل المريب . ( 2 ) سورة يونس الآية 46 .